الشنقيطي

149

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

أحدها - أن المعنى أنهم ليس لهم حسنات توزن في الكفة الأخرى في مقابلة سيئاتهم ، بل لم يكن إلا السيئات ، ومن كان كذلك فهو في النار ، كما قال تعالى : وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ ( 103 ) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيها كالِحُونَ ( 104 ) [ المؤمنون : 103 - 104 ] . وقال : وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 8 ) [ الأعراف : 8 ] . وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ [ الأعراف : 9 ] الآية ، وقال : وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ ( 8 ) فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ ( 9 ) وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ : [ 8 - 11 ] ؛ إلى غير ذلك من الآيات . وقال بعض أهل العلم ؛ معنى فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً ( 105 ) [ الكهف : 105 ] أنهم لا قدر لهم عند اللّه لحقارتهم ، وهو أنهم بسبب كفرهم ؛ وذلك كقوله عنهم : سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ ( 60 ) [ غافر : 60 ] ، أي صاغرين أذلاء حقيرين ، وقوله : قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ داخِرُونَ ( 18 ) [ الصافات : 18 ] وقوله : قالَ اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ ( 108 ) [ المؤمنون : 108 ] ، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على هوانهم وصغارهم وحقارتهم . وقد دلت السنة الصحيحة على أن معنى الآية يدخل فيه الكافر السمين العظيم البدن ؛ لا يزن عند اللّه يوم القيامة جناح بعوضة . قال البخاري في صحيحه في تفسير هذه الآية : حدثنا محمد بن عبد اللّه . حدثنا سعيد بن أبي مريم ، أخبرنا المغيرة بن عبد الرحمن ، حدثني أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي اللّه عنه ، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند اللّه جناح بعوضة وقال - اقرؤوا فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا » وعن يحيى بن بكير ، عن المغير بن عبد الرحمن ، عن أبي الزناد مثله ا ه . من البخاري « 1 » . وهذا الحديث أخرجه أيضا مسلم في صحيحه « 2 » ، وهو يدل على أن نفس الكافر العظيم السمين لا يزن عند اللّه جناح بعوضة . وفيه دلالة على وزن الأشخاص . وقال أبو عبد اللّه القرطبي في تفسيره « 3 » هذه الآية بعد أن أشار إلى حديث أبي هريرة المذكور ما نصه : وفي هذا الحديث من الفقه ذم السمن لمن تكلفه ؛ لما في ذلك من تكلف المطاعم والاشتغال بها عن المكارم . بل يدل على تحريم الأكل الزائد على قدر الكفاية ، المبتغى به الترفه والسمن ؛ وقد قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن أبغض الرجال إلى اللّه تعالى الحبر السمين » ومن حديث عمران بن حصين عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « خيركم قرني ثم الذين يلونهم - قال عمران . فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة - ثم إن من بعدكم قوما يشهدون ولا يستشهدون ، ويخونون ولا

--> ( 1 ) كتاب التفسير حديث 4729 . ( 2 ) كتاب صفات المنافقين وأحكامهم حديث 18 . ( 3 ) الجامع لأحكام القرآن 11 / 67 .